ابن البيطار
44
الجامع لمفردات الأدوية والأغذية
الدهن ولا سيما الهاربي والصغار منه فأما ما لوّث في الدقيق وقلي بالدهن فوخم جدّا كثير الأعطاش بطيء النزول والمالح من السمك أيضا فلا يخلو من توليد البلاغم الزجاجية على ممر الأيام ولكن أكثر وأسرع ما يتولد منه البلاغم المالحة التي تكون سببا للجرب المتقشر والقوابي البيض ويفسد المزاج على الأيام ويؤدّي إلى الاستسقاء وذلك أنه لا يدر البول بل يسد مجاريه ومجاري الكبد ويدعو إلى كثرة شرب الماء إلا أنه أقل توليدا للقولنج فيمن لم يعتده ويكثر منه ، فأما من اعتاده فربما جفف البطن تجفيفا شديدا ويصلح السمك المالح مرة بالخل إذا أكل معه أو مقربه فيقل توليده للعطش ويلطف البلغم المتولد منه ومرة بأن يقلي بالدهن ويؤكل بعده العسل والفانيذ ، فيغير الدهن مزاجه القشف الذي أكسبه الملح ويقلل أيضا إعطاشه . الرازي في الحاوي : قال جالينوس في كتاب الأغذية : إن السمك يختلف النوع الواحد منه بحسب اختلاف مكانه فلحم ما يكون منه في مواضع فيها حمأة وعكر وكدر وفضول كثيرة فعلى غاية اللزوجة والذي يكون في الماء الصافي أجود وأفضل وخاصة إن كان ذلك الماء يحرك برياح تهب والذي يكون في الماء الصافي بحيرات يسترها عن الريح شيء فهو أجود مما يكون في بحيرات كثيرة الأمواج لأنّ رياضته تكون أكثر وفضوله أقل وأخس من هذا الذي يكون في فوّهة النهر مخرج أقذار مدينة وأوساخها وما كان في بحيرة تتصل بنهر عظيم من أحد جانبيه وببحر عظيم من الجانب الآخر وما كان في بحيرات منقطعة عن الأنهار والبحار خاصة إن كانت هذه غدرانا صغارا لا ينصب إليها أنهار كبار ولا فيها عيون عظام تتبع والذي في المياه التي ليست جريتها قوية رديء أيضا والذي في نقائع الماء والآجام لحمه في الغاية القصوى من كثرة الفضول والرداءة والذي يكون في الأنهار فأجوده ما يكون في أنهار قوية الجرية حادتها ، وأما ما يكون في أنهار تفيض إلى بحيرات فليس هو بالجيد وجودة السمك تكون من قبل غذائه وذلك أن منه ما يغتذي من حشيش وأصول نبات فيكون لحمه لذلك أجود ومنه ما يغتذي من حمأة وأصول رديئة فيكون أخس ومنه ما يغتذي من أقذار مدنية وأوساخها فيكون لذلك أيضا أردأ من جميع السمك حتى أنه إن مكث فضل قليل بعد إخراجه من الماء نتن وما كان من السمك كذلك فكله رديء الطعم عسر الهضم والذي فيه من الغذاء الجيد مقدار يسير ومن الفضول كثير . وأفضل السمك ما كان في بحر صاف نقي الماء جدّا وخاصة إن كان شط ذلك البحر ليس أرضا ترابية ردغة بل إما رملية وإما خشنة صخرية فإن كان مع ذلك البحر ليس أرضا ترابية وكان سمكه يستقبل الشمال كان سمكه بكثير أفضل وذلك أنه تكثر حركته بمهب الريح الذي يخالطه لما وصفناه مما يزيد في جودة الطبع وفضيلة جوهره والسمك الذي يكون في البحيرة المتصلة من أحد